خليل الصفدي

84

أعيان العصر وأعوان النصر

وبلها وطلّها ، فقال : يا مولانا كنت صبرت إلى أن قضيت شغلك ، وأتيت بما وسع قضاك وفضلك ، فقلت : حلاوة الفهم أذهلتني عن رشق هذا السهم . وكان جمال الكفاه - رحمه اللّه تعالى - في آخر أمره ونفاسة قدره ، قد سلك مسلك كريم الدين الكبير في اقتناء المماليك الأتراك ، وأكثر من جباتها في العقود والأسلاك ، قد تأنق في ملابسهم الفاخرة وتجديدها ، وتحلية مناطقهم التي علائقها يطرب تغريدها ، ولما هلك تحت العقاب ، وحمل فوق الجنوية على الرقاب ، حزن لذلك أو داؤه ، وشمت بمصابه أعداؤه ، وذلك في أوائل صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة . وقلت أنا فيه : ( المتقارب ) عجبت من أمر جمال الكفاه * وكونه راح ثمال العفاه في ليلة زالت سعادته * عنه إلى أن رحمته عداه تكلّمت أجنابه ، وهو ما * يقول في آلامه غير آه وكيف لا يصرخ من جنبه * فتحه ضرب الغواني شفاه 64 - إبراهيم الحايك « 1 » وقيل : المعمار ، وقيل : الحجار المصري ، غلام النوري ، عامي ظريف ، وشاعر عرّي من حلل النحو والتصريف ، لكنّ قريحته نظّامة ، وطباعه لبرود الشعر رقّامة ، له ذوق قد شبّ عمره فيه عن الطوق ، وتوريات تسير الثريا من تحتها ، وهي من فوق ، واستخدام له إلى تحريك الأعطاف ، وهزها شوق ، ونكت أدبية ما يبلّ الفاضل منها غلة الشوق ، ومقاصد غريبة أحسن من روق الشباب ، وما أحسنه من روق إلّا أن اللحن الخفي يخونه في بعض الأماكن وهو قليل ، وتصريف الأفعال يعرض عنه بلا دليل ، أما إذا ترك وعامّيته في الأزجال والبلاليق ، ونفّض يده من القريض ، ولم يكن له فيه تعاليق ، فإنه يأتي بالعجائب ، ويركب في طريق الإعجاب ، والإعجاز متون الصبا والجنائب ، فما يلحقه في ذلك مجاره ، ولا يرهقه مبار ، ولا يطمع لاحق له في شق غبار ، ولا أعلم له في ذلك نظيرا ، ولا استجليت في سماء فنه مثله قمرا منيرا . وكان فقيرا متخليا ، وأميرا في نفسه بالخمول متحليا ، يعرض عن الأكابر ، ويعد أهل

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 49 ، والوافي بالوفيات : 6 / 173 ، وفوات الوفيات : 1 / 50 ، وبدائع الزهور 1 / 1527 ، والمنهل الصافي : 1 / 188 .